ابن عجيبة

273

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تتصرفون فيه ، كما قال : بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ، بل ذكر الضياء ، وهو ضوء الشمس ؛ لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ، وليس هو التصرف في المعاش وحده ، والظلام ليس هو بتلك المنزلة ، ومن ثم قرن بالضياء . أَ فَلا تَسْمَعُونَ ؛ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر ، من ذكر منافعه ، ووصف فوائده ، وقرن بالليل أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؛ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه . وَمِنْ رَحْمَتِهِ تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ؛ في الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ بالنهار بأنواع المكاسب . وهو من باب اللف والنشر . وقال الزجاج : يجوز أن يكون معناه : لتسكنوا فيهما ولتبتغوا من اللّه فيهما ، ويكون المعنى : جعل لكم الزمان ليلا ونهارا ؛ لتسكنوا فيه ، ولتبتغوا من فضله ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي : ولكي تعرفوا نعمة اللّه في ذلك فتشركوه عليها . ثم قرّعهم على الإشراك ، بعد هذا البيان التام ، بقوله : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ، وكرر التوبيخ على الشرك ؛ ليؤذن ألّا شئ أجلب لغضب اللّه تعالى من الإشراك به ، كما لا شئ أدخل في مرضاته من توحيده . وقال القرطبي : أعاد هذا ؛ لاختلاف الحالين ، ينادون مرة ، فيدعون الأصنام فلا تستجيب لهم ، فيظهر كذبهم . ثم ينادون مرة أخرى فيسكنون ، وهو توبيخ وزيادة خزى . ثم طرق كون المناداة من اللّه ، أو ممن يأمره بذلك ، لقوله : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ * « 1 » ، ويحتمل : ولا يكلمهم بعد قوله : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ « 2 » أو : ولا يكلمهم كلام رضا . ه « 3 » . وَنَزَعْنا ؛ وأخرجنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ، وهو نبيهم ، يشهد عليهم بما كانوا عليه ؛ لأن الأنبياء شهداء على أممهم ، فَقُلْنا للأمم : هاتُوا بُرْهانَكُمْ على صحة ما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول ، فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ في الألوهية ، لا يشاركه فيها غيره ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ؛ غاب غيبة الشيء الضائع ما كانُوا يَفْتَرُونَ من ألوهية غير اللّه وشفاعة أصنامهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : دوام ليل القبض يمحق البشرية ، ودوام نهر البسط يطغى النفس ، وتخالفهما على المريد رحمة ، وإخراجه عنهما عناية ، وفي الحكم : « بسطك كي لا يتركك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشئ دونه » . وقال فارس رضي اللّه عنه : القبض أولا ، ثم البسط ، ثم لا قبض ولا بسط ؛ لأن القبض والبسط يقعان في الوجود ، وأما مع الفناء والبقاء فلا . ه .

--> ( 1 ) من الآية 174 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 108 من سورة المؤمنون . ( 3 ) بتصرف .